عبد الملك الجويني
204
الشامل في أصول الدين
ثبوت قادر مع استحالة المقدور الممكن ، لم يبعد ثبوت المقدور مع انتفاء القادر . ثم يلزم من ذلك إبطال العقليات والسمعيات جميعا ، وذلك لأن الآيات المشتملة على التوحيد ليست من المعجزات في أنفسها ، إذ الإعجاز لا يتحقق بالآية والآيتين ، وإنما نعرف ثبوت آحاد الآي مترتبا على ثبوت صرف المبلّغ . ولا يثبت صدق المبلغ إلا بالمعجزة ، ثم لا تدل المعجزة إلا بعد أن يثبت فعلا للّه سبحانه وتعالى . فبم تنكرون على من يزعم أنها وقعت من غير قادر ؟ فإن قالوا : يستحيل وقوع مقدور من غير قادر . قلنا : إن لم يستحل ثبوت قادر غير ممنوع مع استحالة وقوع مقدوره ، فلا يستحيل ثبوت مقدور من غير قادر أيضا . فقد وضح بما قلناه انسداد الطرق العقلية والسمعية جميعا على المعتزلة . الفصل الثالث : يشتمل على نصب الدلالة على نفي القديم العاجز ، وينطوي على وجوب تعلق القدرة القديمة بما لا يتناهى من المقدورات . فإن قال قائل : قد أسندتم جميع ما قدتم إلى استحالة ثبوت قديم عاجز ، وإلى إيجاب تعلق القدرة القديمة بما لا يتناهى ، فدلّوا على مرامكم في الأصلين ، وأقيموا الدلالة على القاعدتين . قلنا : غرضنا مما قدمناه استحالة ثبوت إلهين متقدسين على النقص ، منعوتين بما يجب نعت الواحد به ، وقد استتب في ذلك غرضنا . وهذا الذي تطالبون به مما لم نتعرض له فيما تقدم . ونحن الآن نوضح الحق في الأصلين مستعينين باللّه . فأما القديم العاجز ، فالدليل على استحالته أن العاجز هو الذي يقوم به العجز كما أن القادر هو الذي تقوم به القدرة . فلو أثبتنا عاجزا قديما ، لزم إثبات عجز قديم ؛ وذلك مستحيل . فإن صفة العجز تتضمن حدثه لأن العجز يتضمن امتناع الفعل ويقتضيه ، وهذا معلوم من صفة العجز لا سبيل إلى جحده ، ويستحيل إثبات العجز غير مؤثر في اقتضاء امتناع الفعل . ولو أثبتنا عجزا قديما ، لما كان مؤثرا في منع الفعل ، فإن الفعل يمتنع وقوعه قديما من غير تقدير عجز ، وإنما يثبت العجز عن الشيء الذي لولا العجز عنه لصح . والذي يحقق ذلك أن المستحيلات كاجتماع المتضادات ونحوها ، لما كانت مستحيلات من غير تقدير عجز ، استحال كونها معجوزا عنها . فوضح بذلك أن العجز يتضمن الحدوث . وينزل العجز مما ذكرناه منزلة الحركة من حيث اقتضت صفة الحركة